عثمان بن جني ( ابن جني )

350

الخصائص

الأخفّ على الأثقل ، فاستمرّ على ذلك وتدرّج منه إلى أن أقرّ الياء بحالها مع الفتح ؛ إذ كان قلبها مع الكسر أيضا ليس بحقيقة موجب . قال : وكما أن القلب مع الكسر لم يكن عن صحّة عمل ، وإنما هو لتخفيف مؤثر ، فكذلك أقلب أيضا مع الفتح وإن لم يكن موجبا ، غير أن الكسر هنا على ضعفه أدعى إلى القلب من الفتح ، فلذلك جعلنا ذاك تدرّجا عنه إليه ولم نسوّ بينهما فيه . فاعرف ذلك . وقريب من ذلك قول الشاعر : ولقد رأيتك بالقوادم مرّة * وعلىّ من سدف العشىّ رياح " 1 " قياسه رواح ؛ لأنه فعال من راح يروح ، لكنه لمّا كثر قلب هذه الواو في تصريف هذه الكلمة ياء - نحو ريح ورياح ، ومريح ومستريح - وكانت الياء أيضا عليهم أخفّ ، وإليهم أحبّ ، تدرّجوا من ذلك إلى أن قلبوها في رياح ، وإن زالت الكسرة التي كانت قلبتها في تلك الأماكن . ومن ذلك قلبهم الذال دالا في ( ادّكر ) وما تصرّف منه ؛ نحو يدّكر ، ومدّكر ، وادّكار ، وغير ذلك : تدرّجوا من هذا إلى غيره بأن قلبوها دالا في غير بناء افتعل ، فقال ابن مقبل . * من بعض ما يعترى قلبي من الدكر " 2 " * ومن ذلك قولهم : الطنّة - بالطاء - في الظنة ، وذلك في اعتيادهم اطّنّ ، ومطّن ، واطّنان ، كما جاءت الدكر على الأكثر . ومن ذلك حذفهم الفاء - على القياس - من ضعة وقحة ؛ كما حذفت من عدة وزنة ؛ ثم إنهم عدلوا بها عن فعلة إلى فعلة ، فأقرّوا الحذف بحاله ، وإن زالت الكسرة التي كانت موجبة له ، فقالوا : الضعة ، والقحة ، فتدرّجوا بالضعة ،

--> ( 1 ) البيت للأسدى في أساس البلاغة ( روح ) ، وبلا نسبة في لسان العرب ( روح ) ، ( سدف ) ، وتاج العروس ( روح ) ، ( سدف ) . و " رباح " بكسر الراء فسره ثعلب فقال : معناه وقت . القوادم : موضع . ( 2 ) عجز بيت لتميم بن مقبل في ديوانه ص 81 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 188 ، والمقرب 2 / 167 ، والممتع في التصريف 1 / 359 ، والمنصف 3 / 140 ، ويروى صدره : * يا ليت لي سلوة تشفى النفوس بها *